أدب الطعام.. أعمال أدبية صبغها كتّابها برائحة التوابل المكسيكية

«قررت يومًا الذهاب إلى الأوبرا من أجل حضور حفل موسيقي، وصلت بعد بداية الفصل الأول وشاهدت العرض؛ والحقيقة أنه كان من أكثر العروض بشاعة، سألت نفسي في طريق العودة: ما الذي يجري هنا؟ ولمصلحة من؟ ومن أجل ماذا؟ يقولون إن تلك العروض تتم من أجل الفن ولكن ما هو الفن؟». كان هذا هو مستهل كتاب «ما هو الفن؟» للكاتب الروسي ليو تولستوي، والذي حاول من خلاله سبر أغوار مفهوم الفن بكل تعقيداته ونظرياته العديدة.

بالنسبة لتولستوي، فالفن ليس هو العمارة، والنحت، والتصوير، والموسيقى، والشعر بأنواعه المختلفة؛ فثمة أبنية مشوهة، ولا تمت للفن بأي صلة، كذلك الأمر في الموسيقى والشعر والنحت، الفن ليس بالمفهوم النخبوي أو الانتقائي الذي يقتصر على فهم طبقة بعينها، أو مجتمع بعينه، أفكار الفن هي أفكار فطرية، ومفهوم الفن مرتبط بظهور الانفعالات التي تنتقل إلى الخارج.

من خلال كتابه يؤكد تولستوي أن الفن هو تجسيد لمفهوم الجمال، ذلك المفهوم الذي يُصاغ عبر ما نتلقاه بحواسنا الخمس؛ فهناك فن حاسة الشم، وفن حاسة اللمس، وفن حاسة البصر، وفن حاسة التذوق؛ فحين نتواصل مع تلك الحواس تواصلًا فعالًا تتجسد قيمة الجمال؛ فحاسة التذوق على سبيل المثال يجسدها فن الطبخ، ذلك الفن الذي يرتكز على صنع الجمال عبر مواد أولية، وعليه يؤكد تولستوي بتلك الفكرة على مشاع مفهوم الفن؛ فلكي يكون أحدنا فنانًا لا يستوجب ذلك الذهاب إلى الأوبرا أو اتقان فن الباليه -وإن كانت تلك الفنون ضرورية- فجل ما هنالك هو إمكانية التواصل بقوة وفعالية مع حواسنا الخمس؛ بتلك الطريقة فقط يمكننا فهم الفن.

 

الطعام والفن.. إعادة تكوين البناء النفسي

ومن هنا، فإن مغزى الفن يتشابه إلى حد كبير مع مغزى الطعام؛ يكمن هدفه الظاهر في المتعة واللذة، ولكن هدفه الأعمق هو المساهمة بفعالية في عملية بناء الإنسان. يؤكد تولستوي: «يتمخض الفن الحقيقي عن إدراج أحاسيس جديدة في الحياة اليومية، بينما الفن المزيف لا يتمخض سوى عن بغاء الإنسان وعدم ارتوائه من الملذات وضعف قواه الروحية».

ووفقًا لنظرية علم الجمال التي وضع أسسها الفيلسوف الألماني «يوهان غوتليب فيشته» فإن العالم يحتوي على جانبين؛ الجانب الأول وهو عالم الواقع الذي يجسد حصيلة محدوديتنا والجانب الآخر هو عالم الخيال الذي يمثل حصيلة نشاطنا الحر؛ ووفقًا للواقع فالعالم محدود ويخضع للأحداث التي تواجهنا ويمتاز بالقبح والتشوه والانكماش.

ولكن الخيال يمكنه دومًا ترميم نفوسنا عبر النشاط الحر؛ وهو أي نشاط نقوم به بعيدًا عن ضغوط الحياة يمكننا دومًا رغمًا عن المعاناة والأحداث السيئة التي تجابهنا أن ندرك الكمال المعنوي ونشاهد الجمال مبعثرًا بين جنبات الحياة، وفي الوقت التي نستطيع فيه جمع عنصر الجمال المبعثرة من الطبيعة وندمجها معًا بشيء واحد حينها فقط ندرك مباشرة عبقرية الفن.

وعليه يولد الفن عادة من المعاناة البشرية من الأحداث التي تؤكد على محدوديتنا، ونلجأ إليه عندما نتعرض للمعاناة، الظلم، أو للهزيمة، وهذا مع حدث مع البطلات الثلاث لروايات «كالماء للشوكولاتة» و«طعام وصلاة وحب» و«أفروديت» اللاتي عانين من خسارات فادحة في حياتهن جعلتهن يجربن إحساس الفقد؛ وفي محاولة منهن لتعويض هذا الفقد الذي اعترى أرواحهن لجأن إلى الطعام كنوع من أنواع الفن الذي استطعن سبر أغواره، نسجت كل من تيتا، إليزابيث، إيزابيل حكايتها الخاصة مع المطبخ، ليتحول الإيداع في فن الطعام إلى وسيلة دفاعية ضد الظروف المحيطة التي مررن بها جميعًا.

نأكل حتى ترتفع الروح في تنهدات، وتتجدد الفضائل الأكثر خفاء في إنسانيتنا الوغدة، بينما يتسرب الحساء إلى عظامنا كانسًا بضربة واحدة تعب كل الهدر المتراكم في سفر الوجود.. إيزابيل ألليندي- رواية أفروديت

 

«كالماء للشوكولاتة».. الطعام وسيلة تواصل بين الحبيبين

للروائح خاصية إعادة إنتاج أزمنة غابرة جنبًا إلى جنب مع أصوات وروائح لا مثيل لها في الحاضر.. لاورا إسكيبيل، من رواية «كالماء للشوكولاتة».

تحرم التقاليد المجتمعية في المكسيك الزواج على تيتا الابنة الصغرى لعائلة دي لا جارثا، ولكن تيتا قد أُغرمت بالفعل ببيدور، إلا أن والدتها تقف بكل ما أوتيت من قوة ضد هذا الزواج، ويقرر بيدور الزواج من روساورا أخت تيتا؛ وذلك لكي يظل بالقرب منها.

وفي محاولة من تيتا لتخطي مرارتها نتيجة هذا الزواج، تقرر التواصل مع حبيبها بيدور من خلال الطعام، فبدون النطق بكلمة واحدة كانت الروائح والتوابل المنبعثة من الطعام الذي تعده تيتا كفيلًا بتأجيج مشاعر الحب كل مرة بقلب بيدرو، وبعد سنة من زواج بيدور من أختها، تختار تيتا طاهية رسمية للمزرعة، وتتلقى حينها أول باقة ورد من بيدرو بسبب نجاحها الذي حققته، وهنا تتأكد تيتا عبر نظرات بيدور من حبه لها، ولكن تطلب منها أمها التخلص من باقة الورد؛ ولأن تيتا لم ترغب بذلك، فتقرر تحضير وجبة طيور السمان مع بتلات الورد التي أهداها لها بيدور، فبهذه الطريقة لن تموت تلك الورود أبدًا وسيظل تأثيرها قويًّا فقط بسبب دمجها بالطعام.

تنتج عن الورود وطيور السمان وجبة رائعة، إذ لا يستطيع بيدرو أن يتمالك نفسه، هتف وهو يغمض عينيه بشبق حقيقي: «إن هذا كمتعة آلهة!» أما ما حدث لخيرتردويس أخت تيتا الثالثة فهو الغريب حقًّا، خيرتردويس كانت قد أغرمت في ذلك الصباح بخوان قائد كتيبة الثوار في القرية، وبعد تناولها لطيور السمان أحست بالتعب؛ إذ «أخذت تتعرق بغزارة من كل أنحاء جسدها. وكانت قطرات العرق المتصببة منها وردية اللون ولها رائحة الورد اللطيفة والنفاذة».

ذهبت إلى الاستحمام، ولكن أخذت حرارة جسدها في الارتفاع، حتى إن أخشاب الغرفة نفسها بدأت في الاحتراق، خرجت خيرتردويس من الغرفة وهي تركض بين الحقول دون أن تستطيع التوقف، في هذه الأثناء انطلقت رائحة جسدها المشبع ببتلات الورد بعيًدا جدًّا، حيث كان الثوار وقوات الحكومة يخوضون معركة شرسة، وفجأة اندفع خوان بحصانه تجاه الرائحة تاركًا خلفه قواته وهي تواجه العدو، حيث يلتقي بخيرتردويس، ويمضي بها بعيدًا. وكل هذا بسبب وجبة طعام أعدت بواسطة محبة عاشقة.

كذلك عند تناول المدعوين وجبة الموليه «الديك الرومي بالزيت والسمسم» في حفلة تعميد ابن بيدرو وروساروا دخلوا جميعًا في حالة انشراح جعلت ردود أفعالهم سعيدة بطريقة نادرة الحدوث. كانوا يضحكون بصوت مرتفع كما لم يفعلوا من قبل قط، وسيمر وقت طويل قبل أن يتكرر فعلهم ذلك. وعند سؤال تيتا عن سر هذه الوصفة الرائعة أجابت: إن السر هو أنها قد أعدت الموليه بحب عميق.

تجسد الأم إيلينا في رواية «كالماء للشوكولاتة» رمزًا للجانب المحدود من العالم، وتقابلها تيتا بالجانب الحر الذي تشكله أرواحنا؛ تمثل الأم كل ما هو مستبد ومتسلط وظالم وقاس، إذ حرمت ابنتها تيتا من حقها في الحب والزواج، ولم تكتفِ بذلك فقط، بل أجبرت بيدرو على الهجرة من المكسيك إلى الولايات المتحدة لتبعده عن تيتا، ولكنها بفعلتها تلك في الوقت نفسه فرقت بين تيتا وبين روبرتو الطفل التي أحبته وكانت ترعاه كابن لها، قابلت تيتا ذلك ببراعتها في فن الطهي وبحثت عن عناصر الجمال الموجودة حولها؛ عناصر ذلك الجمال تجسدت في الطعام وفي الطفل روبرتو.

يموت الطفل روبرتو في الولايات المتحدة بسبب قلة الرعاية؛ إذ كانت تيتا هي من تتولى رعايته، وتصاب تيتا بصدمة كبيرة وتدخل في نوبة اكتئاب عميقة، ولأول تثور في وجه أمها لأنها المسئولة عن ذلك، تستدعي الأم إيلينا الدكتور براون ليأخذ تيتا إلى مستشفى المجانين، ولكنه عوضًا عن ذلك؛ ولأنه وقع في حبها يأخذها إلى بيته، ومع الوقت وبعد مدة، تستطيع تيتا أن تسترد جزءًا من صحتها النفسية، وكانت بداية خروجها من غرفتها هي رائحة فاصوليا في بداية غليانها.

يجيد الدكتور براون صنع عجينة الكبريت، يحكي لتيتا -ولنا- اعتقاد جدته بأن بداخل كل منا مادة كالفسفور تعادل تلك الموجودة في علبة ثقاب، مادة تمد أرواحنا بالطاقة، ولكن الفسفور بداخلنا مادة خاملة لا تشتعل إلا بعوامل خارجية، كأنفاس شخص محبوب، موسيقى، مداعبة، أو كلمة أو وجبة طعام.

في المطعم المكسيكي تصنع الشوكولاتة بالماء عوضا عن الحليب، يسخن الماء حتى الغليان ثم يضاف إليه الشوكولاتة لتذوب ببطء وفي النهاية تأخذ مذاقها الرائع، وفي المقابل تذوب تيتا – مثل الشوكولاتة- في وسط ساخن مليء بالألم، لتصل في النهاية إلى مرادها.

 

«طعام، صلاة، حب».. رحلة البحث عن الذات تتجسد في الطعام

جلب لي الطعام متعة تفوق الوصف، مع أنه في غاية البساطة، أمضيت بضع ساعات قد لا تكون بذات أهمية بالنسبة للآخرين ولكنني سأعتبرها دومًا من بين أسعد اللحظات بحياتي.. إليزابيث جيلبرت، من رواية «طعام، صلاة، حب»

رواية «طعام، صلاة، حب» هي سيرة ذاتية للكاتبة إليزابيث جيلبرت والتي كتبت العمل في محاولة منها للبحث عن الذات، فالكاتبة قد تعرضت قبل البدء برحلتها للكثير من الخسارات الفادحة المتتالية؛ بداية من زواجها الفاشل وطلاقها المدمر، وعروجًا على قصة الحب قصيرة الأمد التي انتهت بوجع في النهاية، وفي محاولة منها لتعويض انكسارها قررت البدء برحلة روحية تبدأ من إيطاليا بحثًا عن المتعة الخالصة المتجسدة في الطعام، وخلال الشهور الأربع التي قضتها الكاتبة في إيطاليا تفرغت تمامًا للطعام، وتعلم اللغة الإيطالية.

للشعب الإيطالي طبيعة خاصة؛ فهم يعرفون كيف يستمتعون بحياتهم، على عكس الأمريكيين مثلًا الذين يحبون العمل أكثر، الأمريكيون – مثلهم مثل معظم الشعوب الرأسمالية- أصبح العمل هو شغلهم الشاغل، وربما لهذا السبب تختار إليزابيت إيطاليا لتكون وجهتها عندما تقرر أن تستريح وتبحث عن ذاتها، تعلمها إيطاليا أيضًا درسًا مهمًّا، ألا وهو فن صنع شيء من لا شيء، معجزة تحويل بعض المكونات البسيطة إلى وليمة، أو بضعة أصدقاء مجتمعين إلى مهرجان، لا يجب أن تكون موهوًبا أو غنيًّا لتفعل ذلك، يكفي أن تملك الرغبة.

يقدر الإيطاليون الطعام، لذلك يطلقون تسمية بعض محطات القطار بأسماء أشهر الأطعمة والمشروبات، يحتفلون بالنصر أو يتحملون الهزيمة باللجوء إلى الطعام، يحفظون أماكن أفضل المطاعم في كل بلدة أو مدينة، بل يستخدمونه في حديثهم الدارج وأمثلتهم الشعبية، «قلها كما تأكلها» هذا هو شعار إليزابيث التي تعلمته في إيطاليا، وهي جملة إيطالية عامية تقال عندما تجد صعوبة في إيجاد الكلمات لشرح موقف ما، اجعل كلماتك بسيطة ومباشرة مثل الطعام الروماني. لا تصنع من الموضوع حكاية كبيرة، بل اطرحه على الطاولة وحسب، الحياة أبسط من هذا وأقل تعقيدًا لو أننا فقط تناولها ببساطة كقطعة بيتزا.

يزداد وزن إليزابيث في إيطاليا، ولكن مع ذلك عندما تنظر إلى نفسها في المرآة تجد وجهًا لامعًا وبشرة صافية، وجهًا سعيدًا ونابضًا بالصحة، تطرح إليزابيث على نفسها بعض الأسئلة: هل من الخطأ أن يقوم المرء بما يحب لفترة من الزمن؟ أن يكون جل ما يفكر فيه هو وجبته التالية الشهية؟ ألا يفعل شيئًا سوى الاستلقاء تحت الشمس الدافئة أو تناول المثلجات بجوار النافورة القابعة في الميدان؟

بالطبع لا يمكن للمرء أن يحيا تلك الحياة إلى الأبد، ولكن بحسب قول إليزابيث «إن تكريس النفس لإنتاج الجمال والاستمتاع به، من شأنه أن يكون عملًا جديًّا، وهو ليس وسيلة للهرب من الواقع» كما أن تقدير اللذة من شأنه أن يكون مرساة لإنسانية المرء، في النهاية تجد الكاتبة جزءًا من نفسها، وتسترد قدرًا من سلامتها النفسية في إيطاليا عن طريق الاستمتاع بفن الطعام.

 

«أفروديت» .. الجمال هو الطعام

هؤلاء الذين يبتلعون الطعام دون تذوق، أو يشربون النبيذ دون أن يكتشفوا لغز العنب، يعانون من فاقة حواس وفاقة روح.. إيزابيل ألليندي، من رواية «أفروديت»

بعد وفاة ابنتها باولا قضت الكاتبة ثلاث سنوات تحاول التخلص من إحساس الحزن الجاثم على صدرها بقوة ولكن دون جدوى، أحست الكاتبة – حسب وصفها- خلال تلك الفترة الزمنية بأن العالم أضحى لونه رماديَّا وبأنه فقد كل الألوان فجأة، وبعد الكثير من المحاولات والكثير من الوقت بدأت تنتاب الكاتبة أحلام حول الطعام.

حينها فقط – وحسب روايتها- بدأت ضربات الألوان الأولى تظهر في الأفق؛ أفروديت كان هو العمل الأول بعد الحداد، وهو عمل أدبي يجمع بين فن الحب وفن الطعام وفن الرواية؛ إذ ترى الكاتبة أن الحب والطعام هما الفنان اللذان كانا محط اهتمام الإنسان وإبداعه وبحثه الدائم عن الجديد من خلالهما.

في أفروديت تحاول الكاتبة تشكيل العالم من جديد وكأنه عجينة طيعة لفطيرة شهية؛ تجهز إيزابيل المكونات بروية شديدة تلك المكونات التي تجسدت في الاضطلاع على ثقافات الطعام المصرية، والهندية، واليابانية، والرومانية، والثقافة العربية الإسلامية القديمة، محاولة الوصول إلى اكتشاف العلاقة السحرية بين الطعام والحب، وفي طريقتها تكتشف إيزابيل أن النهم هو طريق مستقيم نحو الشبق، وإذا ما جرى التقدم فيه أكثر قاد إلى ضياع الروح، ولذلك فإن الرهبان والمتصوفين ورجال الدين من كل الثقافات المختلفة الذين يتطلعون إلى الكمال الديني يأكلون بشكل سيئ؛ فهذا من وجهة نظرهم يحمي أرواحهم من الذهاب بعيدًا، ويجعلهم يسيطرون على شهواتهم.

كما تؤكد الكاتبة على أن هدفها الأول من كتابة عملها – عطفًا على محاولة تعافيها- هو إعادة تأهيل القارئ من أجل استخدام جميع حواسه؛ وذلك بغية تحقيق تناغم بين اللمس والرائحة والذوق والبصر، وذلك بهدف الوصول إلى قمة العاطفة بين المحبين- ويمكن لذلك التناغم أن يتحقق بتحضير طعامهما المشترك معًا من أجل تحضير وجبات أفروديتية؛ فالرائحة التي ستنبعث من التوابل وشكل الطعام وألونه تؤكد أن لهذا الفن روحه الخاصة؛ فأثناء إعداده تنفتح نافذة على الذاكرة وتقودنا في رحلة عبر الزمن، وعلى الرغم من تأكيد خبراء الطعام على أن حاسة التذوق تبدأ في اللسان وسقف الفم، فإن الكاتبة تؤكد أن لذة الطعام جزء منها ينبعث من الذكريات، والجزء الآخر ينبعث من الحواس الأخرى.

لم تكتف إيزابيل في صفحات روايتها بتقديم الوصفات المطبخية التي تهدف لإشعال فتيل الرغبة بين المحبين، ولكنها تطرقت كذلك إلى تناول تعويذة العطور، إذ ذكرت أنه من الصعب حسم أمر متى يبدأ التذوق وأين ينتهي الشم؛ فإغواء القهوة لا يصدر عن الطعم، وإنما من رائحة بخارها الغامض والكثيف، والشم هو أقدم حواسنا، ولديه قدرة جبارة على اختراق الذاكرة بكل إصرار وعناد، كليوباترا كانت بارعة في معرفة سحر العطور، واستخدمت تلك المعرفة حتى حدودها القصوى، فنبأ وصول سفينتها كان يصل قبلها بساعات، إذ يخترق عطرها الموانئ محملًا بعبق ورد الشام، حيث كانت تنثره الملكة على أشرعة سفينتها.

وأفروديت وفقًا للأساطير اليونانية القديمة هي إلهة الحب والجمال والشهوة، والأفروديتي هو أي نشاط يثير الرغبة بالحب؛ ذلك النشاط ممكن أن ينجم عن الرغبة الحسية وحدها، وهذا قد يقود للخلاعة أو البورنو، أو من الممكن أن يرتكز هذا النشاط الأفروديتي على الخيال فيعزز من المتعة، ولكنها متعة روحية أكثر منها متعة جسدية، الأفروديتيات هي الجسر بين الشراهة والشبق، فعلى سبيل المثال أي طعام لذيذ وصحي وطازج وجذاب للنظر وتفوح منه رائحة التوابل المكسيكية سيكون طعامًا أفروديتيًا.

 

ساسه بوست

التصنيفات : الثقافية

وسوم المقالة : ,,,,,