د بسام الخالد يكتب عن دموع صاحبة الجلالة

 

صاحبة الجلالة _ متابعة

دموع صاحبة الـجلالة!

“صاحبة الجلالة، السلطة الرابعة، مهنة المتاعب”.. ألقاب أُطلقت على الصحافة عندما كانت الصحافة سيدة الساحة قبل اختراع الراديو والتلفزيون والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل الحدث من أبعد مكان في العالم بأقل من دقائق معدودة.

هذه الألقاب تلاشت اليوم ولم يبقَ منها إلا “المتاعب” التي يعيشها العاملون في صناعة الحرف وخلق الكلمة، وأقصد الذين يعملون، فعلاً، في مهنة الصحافة ويقدّمون عصارة فكرهم ومخزون أعصابهم لمتابعة الكلمة الصادقة أينما كانت ومهما قست الظروف، لا الذين يتسلّقون على المهنة لتكون مطيّة لهم لتحقيق الأغراض والمنافع الشخصية التي يضعونها في سلم أولوياتهم ويقدّمونها على مصالح الجميع!

ما دعاني للكتابة في هذا الموضوع هو شخصية “محفوظ عجب” في مسلسل تلفزيوني مصري تمّ بثه منذ سنوات باسم “دموع صاحبة الجلالة”.. ولستُ هنا في مجال تقديم نقد فني للمسلسل، الذي لامس شريحة الصحفيين، ضمن إطار تاريخي لمصر أيام الانتداب الإنكليزي عليها وحكم الملك فاروق الذي تلته ثورة 1952 كون المسلسل جاء ناجحاً من الناحية الفنية واستطاع مؤلفه ومخرجه أن يجسدا الشخصيات بكل أبعادها لتكون معبّرة عن الشخصيات الحقيقية في القصة والفترة الزمنية التي رصدها المسلسل.

كان بطل المسلسل صحفياً.. أيام كانت الصحافة هي الوسيلة الإعلامية الوحيدة للتعبير عن الرأي وصنع الحدث بفعل تفرّدها الإعلامي، هذا الصحفي استطاع أن يتسلّق على سلّم المهنة بمكر حاذق، استغل فيه كل الذين يعرفهم بدءاً من شقيقة رئيس التحرير، زميلته المقربة إليه في الجريدة، مروراً بالزملاء الآخرين وانتهاء برفاق حزبه، الذي انتسب إليه لتحقيق أغراضه الشخصية ومآربه، حيث خطط لذلك بأساليب دنيئة وضيعة تخلو من القيم والأخلاق والالتزام والانتماء.

مَنْ شاهد ذلك المسلسل يدرك كمَّ المحاولات التي بذلها هذا “الصحفي” لتحقيق أغراضه التي أوصلته إلى مركز صنع القرار المهني والسياسي في البلد، لدرجة أعتقد أنه الوحيد الذي يمكنه اللعب على كل الحبال والتحدث عبر كل الخطوط، إلى أن جاءت الثورة التي لم يستطع العبث بها، على الرغم من محاولاته، ووضعت له حداً وكشفت كل أوراقه واعتُقل!

هذه الشخصية، التي رُسمت ببراعة من الكاتب، تجعلنا نتوقف عندها طويلاً لأن مثيلاتها تشاركنا حياتنا الصحفية اليوم، مع اختلاف الزمان والمكان والحدث والأسلوب.

لقد كُثُر المتسلقون والمنتفعون والوصوليون والانتهازيون.. وللأسف نقول: إن هذه النماذج تسعى لأن تكون في المقدمة دائماً، ودائماً تجد الوسيلة لتحقيق مكاسبها على حساب الذين لا يراهنون على كرامتهم وأخلاقيات مهنتهم.. هذه النماذج تتصدر الواجهة الإعلامية في كل نشاط وتسجّل حضوراً مكثّفاً وكل همّها إثبات التواجد فقط، حتى إذا ما سنحت الفرصة لمكسب انقضت عليه بحكم تواجدها وتآلف الآخرين مع أسماء وأشكال أصحابها وداعميهم، مع أنهم خارج المهنة ولا ينتمون إليها إلا بجوازاتٍ مزيّفة استطاعوا تلميعها جيداً.

إن الصحافة الحقيقية والعاملين فيها بحق جُنْدٌ مجهولون، والصحفي الحقيقي لا يحتاج إلى “الخزعبلات” التي يمارسها أشباه هؤلاء، وما أكثرهم في حياتنا الإعلامية، لكنهم في النهاية سيسقطون، وقد سقط منهم الكثير أمام “جلالة الكلمة”، فالكلمة الصادقة لا ترحم المتاجرين بها، و”صاحبة الجلالة” إذ تذرف دموعها على الحال التي آلت إليها على أيدي هؤلاء، فإنها ترتقي بأبنائها الذين يعملون ليل نهار، ليعيدوا إليها ابتسامتها وألَقها على الرغم من كل المتاعب!

(نشر مُعاد بسبب تفاقم الظاهرة)

التصنيفات : الأولى

وسوم المقالة : ,,