عندما كنتُ في السابعة من عمري

لم أتعلمْ العشقَ…على يد معلم…أو معلمة
ولم أدرسْ مبادئه الأولى في مدرسة
ولم أعثر على أوصافه في الكتب
الدرس الأول في العشق…تعلمته من الشبابيك…شبابيك دمشق
أقدمُ مركزٍ للاتصالات في العالم..قبل أن تكون الأقمار الصناعية..و الرادارات..و أجهزة الفاكس
كانت شبابيكُ دمشق في النهار شديدةَ الخفر,تقاليد المدينة المحافظة..
حتى اذا جاء الظلام..اقتربتْ الشبابيكُ من بعضها
وأخذتْ تحاور بعضها..و تعانق بعضها..و تشكو لبعضها ما عانته من حرارة الشمس وطول النهار.
القبلةُ تطير من شباك الى شباك كحمامةٍ بيضاءَ.
شبابيك دمشق شبابيك عاشقة
شبابيك دمشق تغير عناوينها باستمرار..و تتقدم نحو بعضها في شهر الربيع..عشرين سنتيمترا..ثلاثين سنتيمترا..خمسين سنتيمترا
كما تشتبك أغصان الصفصاف..
فيلامس الصدر الصدر..دون اكتراث بالخرائط الهندسية
ودون أن يكون لديها رخصة من بلدية العاصمة..
شبابيك دمشق..لا تعترفُ بالفن المعماري الحديث
ولا تعترف الا بخرائط القلب..قد يكون القلب مهندساً مغامراً..أو ومجنونا..أو مطروداً من نقابة المهندسين..
ولكن دمشق فخورة بشبابيكها
وبالكحل الأسود الذي يمطر من ثقوب شبابيكها..
و الذين يعرفون حارات دمشق القديمة,يعرفون أن هندسة الشبابيك فيها قامت على أساس عاطفي..
لا على أساسٍ معماري..
فلقد أرادها النجارون الدمشقيون أن
تكون منبرَ حوار..وأداةَ وصل..وجسراً تمشي عليه الأشواق في الليل دون أن يراها أحد..
شبابيك دمشق..تستريح نهارا..وتمارس الشعرَ عند الغروب..
و العشقَ بعد منتصف الليل…..

نزار قباني

التصنيفات : الثقافية