في غياب وتغييب التذوق الجمالي

كيف للذائقة الجمالية في موسيقانا العربية، أن تتوهج وترتقي، وسط كل هذا التلوث السمع بصري الممتد، الذي تنشره شركات الانتاج الفني ، بغية تحقيق ارباح خيالية، لكن على حساب القيم والقيمة الفنية المنشودة التي من المفروض “بدهياً” ، أن يحملها أي عمل فني يتوخى الجمال الذي يؤنسن الحياة ويجعلها أكثر من ممكنة .

هذه القضية المهمة وغيابها في المشهد المعاصر، لابد وان يطرحها القائمون على هذا الفن، من وزارات ومؤسسات وغيرها، لأن الخراب كبير، وكبير جدا. وبالتالي لابد وضع حد، لهذا المسار التجاري، الذي تتحكم به هذه الشركات حيث تقذف يوميا آلاف “الأطنان” من هذه النفايات التي يسمونها فن وابداع، وهي غير ذلك بالمطلق. ولو أردنا أن نقدم الأدلة والبراهين ونسوق الأمثلة على هذا الواقع المرير لاحتجنا الى مجلدات وموسوعات، يكفي المرء ومن باب” تعذيب النفس” ان “يتمشى” في سوق الغناء الفضائي العربي العتيد، ليعثر على بغيته وطلبه بكل سهولة ويسر . يشاهد العجب في هذا السوق المعولم “السيرك المتنقل” ، ببصاعته المزركشة ومهرجيه الكثر ، الذي أعاد من جديد انتاج وتكريس “سوق النخاسة الشهير، بفضل أحابيل هذه الشركات.

التي تصنع لنا ” نجوماً” أقرب الى بهلوانات هذا السيرك، يتراقصون على حبال الفضاء العربي العتيد بخفة الدببة ، يقدمون فنهم المعلب المبستر، خدمة للمتلقي العربي المسكين، الذي يعيش أسوأ كوابيسه الفنية، لتنعدم حاسته وذائقته الجمالية مع فتوحات الجسد العربي. لمغنيات السيلكون. الذين يبدعون في صعود وإيقاظ الغرائز الحسية المريضة ، خاصة لدى الأجيال الفتية الشابة، بما يعني ذلك من تغييب الوعي الذوقي والحس الجمالي السليم ، وهذا الواقع مسؤول عنه بالدرجة الأولى، وزارات الاعلام والثقافة، في البلاد العربية التي ترخص لهذه الشركات من دون معايير صارمة في عملية الانتاج الفني، نقديا وذوقيا،

 

فبات كل من يمتلك بعض المال وأشياء اخرى معلومة، نجماً عابرا في سماء الفن العربي، حيث هذه الصناعة تعود بالربح الوفير على حيتان هذه الشركات التي لايهمها بالمطلق القيم والقيمة الفنية المبدعة، بقدر مايهمها منطق السوق والتسويق الذي نعثر فيه على العجب العجاب. صحيح ان لكل عصر موسيقاه وأغنيته، لكن أن تنفلت الأمور الى هذا النحو، فهذا يعني نشر وانتشار الانحطاط التربوي والأخلاقي، عبر هذا الفن النبيل، في مؤامرة مفضوحة ومعلنة على الملأ، ولانعلم على وجه الدقة، كيف ولماذا يتم صرف الملايين وتبذيرها على هذا النحو، على فنٍ هابط ورديء بكافة المقاييس والمعايير، في منتوج يفتقر الى الحدود الدنيا، من الابداع والخصوصية، منتوج يموت لحظة ولادته، بالرغم من طوفان الاعلانات والمقابلات والمؤتمرات التي تقدمه كعلامة فارقة وظاهرة ابداعية تستحق التقدير والاحترام،

 

فاغلب نتاجات هذه الشركات يصب في خانة الاستهلاك التجاري، الذي يشوه الذائقة والتذوق السليم، المبني على معادلات جمالية لايمكن اختزالها بتوزيعات براقة واكسسوارات خلبية لاتسمن ولاتغني، فالعمل الفني الجميل، لابد وان يمر بمراحل ابداعية ملزمة، بدءا من جمالية الكلمة الشعرية، مرورا باللحن المعبر، وصولا الى الصوت والاحساس السليم عن اجواء هذا العمل تعبيريا وجماليا،

 

وهذا في حقيقة الأمر مايفتقده المشهد المعاصر اللهم بعض الاستثناءات النادرة التي تومض هنا وهناك. وحيدة في هذا السوق التجاري الذي يتكسب منه الطفيليون والدجالون والأدعياء وما أكثرهم، في صناعة لاتتوقف أفرزت واقعا موسيقيا اقرب الى الهذيان والمجون والاباحية المقنعة، حيث يتم تسليع الانسان وخاصة المرأة وجعلها غانية لعوب كل همها إرضاء غرائز شهريار ودونجوان هذه الإلفية العتيدة ، ولاعزاء للفن الأصيل النبيل الجليل الذي وسم اغلب نتاجات موسيقانا العربية بدايات ومنتصف القرن الماضي، حين كان المغنى حياة الروح وبهجتها ومبعث السرور والحبور للمتلقي العربي، الذي كان يمتلك ذائقة جمالية خطيرة، تمنحه القدرة على فرز العمل الجميل عن الرديء المنحط بكل سهولة ويسر. أخيرا لابد من القول هنا أن التبعية المريضة والعمياء للآخر، في فن لابد وأن يعبر عن بيئته وهويته الوطنية المائزة. هو ما أنتج هذه الكوارث والأوبئة والأمراض التي من المحال معالجتها، أن لم يكن هناك ارادة مخلصة وخطط مستقبلية، تقود الى تصحيح الخلل الناتج في عمليات الانتاج والتلقي السمع بصري.

 

وهذا رهن بإنشاء شركات انتاج ومنصات اعلامية تحتفي بالقيمة والقيم، ولاتكون رهينة للمال الفاسد المفسد، بل للمال الذي يؤمن بالمشاريع الثقافية التنويرية، التي وحدها قادرة على انتشال هذا الفن الأصيل، من مستنقع اللغة التجارية الاستهلاكية التي تنشر الخراب والقبح أينما حلت وارتحلت.

 

الثورة

التصنيفات : الثقافية