كولومبوس اكتشف أميركا بالخطأ.. ماذا تعلم عن الهنود الحمر الذين كانوا يلقون الذهب والزمرد في النار لأجل الآلهة

قاد كولومبوس سفنه الثلاث  «نينا، وبينتا، وسانتا ماريا»، خروجاً من ميناء بالوس الإسباني في 3 أغسطس/آب 1492م، وكان هدفه الإبحار غرباً والوصول إلى آسيا (جزر الهند)، حيث حلم الذهب واللؤلؤ والتوابل المنتظر، وقد رست سفن كولومبوس في مكانٍ ما بجزر الباهاما – وهي أرخبيلٌ بحريٌّ مكوَّن من 700 جزيرة- التي يسكنها الهنود الحمر ثم أكملت مسارها في البحر الكاريبي مدة 4 أشهر . كانت رحلة كولومبوس أطول من المتوقَّع، ومن أجل تهدئة مخاوف طاقمه احتفظ كولومبوس بمجموعتين من السجلات: واحدة تُبيِّن المسافة الحقيقية التي تقطعها السفن كل يوم، والأخرى تظهر مسافة أقل، وقد كان هذا الخداع له تأثير مؤقت فقط. بحلول 10 أكتوبر/تشرين الأول، زاد تخوُّف الطاقم إلى درجة التمرُّد. توقف كولومبوس عن حيلته بوعد طاقمه بأنه إذا لم يتمّ رصد الأرض خلال يومين فسيعودون إلى ديارهم في اليوم التالي، اكتُشف العالم الجديد، ولكنه لم يكن آسيا كما افترض كولومبوس.

 

من أجل السلطة والثروة.. لكنه لم يكن أول المستكشفين!

خلال القرنين الـ15 والـ16، موَّل قادة العديد من الدول الأوروبية الرحلات الخارجية على أمل أن يجد المستكشفون ثروةً كبيرة وأراضي واسعة غير مكتشَفة. كان البرتغاليون هم أول المشاركين في «عصر الاكتشاف»، كما كانت هناك دولٌ أوروبية أخرى،  وخاصة إسبانيا، متلهفة للمشاركة في الرحلات الخارجية وفي الثروات التي لا حدود لها  بـ«الشرق الأقصى». مع نهاية القرن الـ15، كانت إسبانيا تشهد حقبة «إعادة الاستعمار» الإسبانية ، التي تجسَّدت في  طرد اليهود والمسلمين من المملكة بعد قرونٍ من الحروب؛ ولذلك كانت تبحث عن الاستكشاف في مناطق أخرى من العالم. انطلقت أول رحلة بحرية في نهاية القرن الـ15، حيث كان من المستحيل تقريباً الوصول إلى آسيا من أوروبا عن طريق البر؛ كان الطريق طويلاً وشاقاً، كما كان يصعب تجنُّب اللقاء مع جيوش معادية. حلّ المستكشفون البرتغاليون هذه المشكلة عن طريق النزول إلى البحر خلال عام 1488م؛ إذ أبحروا جنوباً على طول ساحل غرب إفريقيا وحول طريق رأس الرجاء الصالح.

في عام 1491 وافق فرديناند من أراغون وإيزابيلا من قشتالة على تمويل رحلة كولومبوس

ولكنّ كولومبوس كان يمتلك فكرةً مختلفة: لماذا لا يبحر غربًا عبر المحيط الأطلسيّ بدلاً من القارة الإفريقية الضخمة؟ كان منطق كولومبوس سليماً، لكن رياضيّاته كانت خاطئة. وجادل بشكلٍ غير صحيح بأنَّ محيط الأرض كان أصغر بكثير مما اعتقده معاصروه. وبناءً على ذلك، كان يعتقدُ أنّ الرحلة بالقارب من أوروبا إلى آسيا يجب ألا تكون ممكنة فقط، ولكن سهلة نسبياً. قدَّم خطته للمسؤولين في البرتغال وإنكلترا، وفي عام 1491 وافق على تمويل رحلته  كل من الملك الإسباني فرديناند من أراغون وإيزابيلا من قشتالة. أراد كولومبوس الشهرة والثروة، وأراد فرديناند وإيزابيلا الشيء نفسه مع فرصة لتصدير الكاثوليكية إلى جميع أنحاء العالم. وقد كان كولومبوس، وهو كاثوليكي متديِّن، متحمساً بالقدر نفسه لهذا الاحتمال. ووفقاً للعقد الذي أبرمه كولومبوس مع الحاكمَين الإسبانيَّين، فإنه يستطيع الاحتفاظ بنسبة 10% من الثروات التي يجدها، بالإضافة إلى لقبٍ نبيل وحاكم لأية أراضٍ يستطيع اكتشافها.

 

ظنّ خطأً أنه في آسيا ناحية الهند!

قام المستكشف كريستوفر كولومبوس بـ4 رحلاتٍ عبر المحيط الأطلنطي من إسبانيا: في 1492 و1493 و1498 و1502، حيث كان مصمماً على إيجاد طريق مباشر للمياه غرباً من أوروبا إلى آسيا، لكنه لم يفعل ذلك أبداً، وعوضاً عن ذلك عثر عن طريق الخطأ على الأميركتين، ويمكن القول إأنّ كولومبوس لم يكتشف «العالم الجديد» بالفعل، حيث كان يعيش ملايين الناس بالفعل هناك. في ليلة 11 أكتوبر/تشرين الأول، ظهر لكولومبوس معالم واضحة للأرض فظنَّ أنها آسيا، ولكنَّها لم تكن سوى إحدى جزر لوكايس عند مدخل مضيق لوريد بالقرب من أميركا الشمالية. كانت تلك الأرض هي نقطة انطلاق كولومبوس التي قرَّبته من الوصول للأميركتين، وقد أطلق على الأرض الجديدة اسم «سان سلفادور». وبسبب اعتقاده الخاطئ ظلَّ كولومبوس، يبحث عن مملكة «كاتي» الواقعة في الأراضي الصينية؛ وذلك لكي يقدِّم الخطابات لملوكها والتي زوَّدته بها إيزابيلا ملكة قشتالة، ولكنه لم يصل قَط، وعليه فقد قرر العودة إلى إسبانيا ليعلن اكتشافه الجديد، حيث وصل إلى ميناء بالوس يوم 15 مارس/آذار 1493، أي بعد مرور 7 أشهر من مغادرته أول مرة. في عام 1506، مات كولومبوس معتقداً أنَّه وصل لآسيا، وأنَّ الجزر التي اكتشفها توجد بالقرب من الهند؛ ولذلك أطلق على الشعوب التي قابلها في رحلاته أو السكان الأصليين لتلك الأرض اسم الهنود، كما سُميت الجزر باسم جزر الهند الغربية.

بعدها بعام، في 1507، أعدَّ رسام الخرائط مارتن فالدسيمولر إحدى الخرائط الأولى لتصوير «العالم الجديد»، وقد اعتقد فالدسيمولر خطأً أنّ المستكشف الإيطالي أميرغو فسبوتشي قد اكتشف تلك الأرض الجديدة. أطلق على الجزء الجنوبي من القارة «أميركا»، واعترف لاحقاً بخطئه، وحذف اسم فسبوتشي من طبعاته الأخرى، ولكن في ذلك الوقت كان اسم أميركا قد أُطلق بالفعل على القارَّة بأكملها؛ لذا كان الأوان قد فات لتغيير هذا الاسم.

 

لكنّ اسبانيا قامت بمذابح في حق الهنود الحمر

سرعان ما سيطر الإسبان على البلاد الجديدة، وقادهم جشعهم إلى اقتراف أقصى درجات الوحشية؛ فقد وصل بهم الأمر إلى انتزاع الذهب والزمرّد الذي تقضي الطقوس الدينية الخاصة بالهنود الحمر بدفنه في بطون الموتى. تفاقمت الصراعات بالطبع بين الجانبين، ولكنّ الصراع حُسم سريعاً لصالح المستوطنين الجدد، حيث قاموا باستعباد الهنود أصحاب الأرض الأصليين واستخدموهم في عمليات حفر المناجم، ومع الوقت انصاع الهنود واستسلموا للأمر مقابل بقائهم على قيد الحياة.

في حال تمرَّد أحد الهنود على الوضع القائم، كان الإسبان يلجأون إلى الكلاب الشرسة التي كانت تقوم بتمزيق الهنديّ أمام الباقين، حيث تطرحه أرضاً ثم تنهشه وتنتزع أحشاءه لتأكل منها، وبعد ذلك كان يعمد الإسبان إلى ترك الجثث المتمزقة في الميدان؛ حتى يرى الباقون ما آل إليه التمرد، وقد كانت الجثث تُترك في الميادين حتى تتفسخ. بالنسبة للنساء، فقد انتشر بعد وصول الإسبان اختطاف النساء والفتيات القاصرات واغتصابهنّ؛ فقد كان يحق لكل جندي إسباني اغتصاب أي فتاة يقابلها ثم يمررها إلى أصدقائه. وقد سجَّل المؤرخ الإسباني فرانثيسكو إنثينا أنه في عام 1550، كانت هناك حشود من الأطفال الصغار تهيم في شوارع سنتياغو مختلطةً مع الخنازير والكلاب والماعز.

 

الذهب والزمرّد في النار والمسيحيون أبناء الشمس

يُستخدم مصطلح «ما قبل الكولومبية» للإشارة إلى ثقافات الأميركتين في الوقت الذي سبق التأثير الأوروبي الكبير، أي حقبة ما قبل كريستوفر كولومبوس، ويشمل هذا المصطلح  ثقافات الشعوب الأصلية التي تمّ غزوها أو تأثُّرها بشكلٍ كبير بالأوروبيين، وذلك بعد هبوط كولومبوس لأول مرة على الأراضي الأميركية عام 1492. كولومبس بدل أن يترك الهنود يعيشون بسلام وفي هذا الوقت كانت الحضارتان الإسبانية والأميركية ستنموان جنباً إلى جنب منتِجة ثراءً معرفياً وإنسانيا كبيراً، عوضاً عن ذلك استولى كولومبوس على السكان الأصليين وتصرف كأنه السيد وهم العبيد.

وكتب وقتها رسالة إلى الملك ذكر فيها أن «هؤلاء الناس ساذجون في أمور الأسلحة، وكما سترون جلالتكم هناك 7 منهم أخذتهم لحملهم معنا، وتعليمهم كلامنا وإعادتهم. وبالنسبة لسكان الجزيرة، فيمكن إخضاعهم بـ50 رجلاً وجعلهم يعملون ما ترغب». ويصف كولومبوس هؤلاء السكان قائلاً: «كان الهنود يعيشون دون الانتماء إلى مذهب ديني؛ ولهذا سيتحولون إلى المسيحية بسهولة، وترتكز عقائدهم على وجود الأعمال الفنية المبهمة المتجسدة في التعبد للإله عبر تماثيل الذهب البديعة والمرصعة بالأحجار الكريمة». ويضيف كولومبوس أنه وعلى الرغم من غنى تلك الأراضي بالذهب فإن السكان الأصليين عراة وتافهون وبرابرة، كما أن أسلحتهم المتمثلة في العصيّ والرماح والسيوف غير مجدية.

 

لا يلبسون الثياب، وبيوتهم دائماً مفتوحة

كان العُري الكامل أو الجزئي مكوِّناً أصيلاً من ثقافة تلك الشعوب وقت وصول الإسبان؛ إذ يُظهر الرجال أجسادهم؛ نظراً إلى تناسقها ومهابتها وكمالها العضليّ، أما المرأة الهندية فقد كانت شديدة الطول بارعة الجمال لا تنتعل الأحذية. وقد اعتادت النساء الهنديات ربط خيط سميك فوق البطن؛ حفاظاً على العذرية، وعندما تضع الفتاة ذلك الخيط لا يجسر أحد على التحدث معها أبداً، ولا يمكن للعاهرات ربط هذا الخيط أبداً. كان النساء حينها يصنعن خبز الكاثابة من نوعٍ من أنواع الذرة يُدعى اليُكة، ويمكن الاحتفاظ بهذا الخبز مدة سنتين دون أن يناله العطب، وتجدر الإشارة إلى أنّ حبوب اليكة قبل طحنها تحتوي على مادة شديدة السُّميّة يمكنها أن تؤدي إلى الموت الفوري في حال تناولها، ولكنها إذا طُبخت تتحول إلى شراب سكري يعادل الشهد، وإذا غُليت تُصبح حامضة وتستخدم كالخل.

كان الهنود يوقدون النار في معابدهم عبر مباخر صغيرة متنقلة؛ لكي يتم تطهيرها من الشيطان، ويلقون داخل النار قِطعاً من الذهب والزمرد؛ وذلك حتى تغفر لهم الشمس خطاياهم وذنوبهم. وحين دخل الإسبان إلى تلك الأراضي للمرة الأولى، ولدى وصولهم إلى كل قرية، كان الهنود يخرجون لاستقبالهم عند مدخل المعبد ويشعلون ناراً ويلقون فيها الذهب؛ لأنهم كانوا يظنون أن المسيحيين هم أبناء الشمس. وفي كولومبيا، كان السكان يقدمون الماء قرباناً للآلهة ، وذلك بسكبه داخل المعابد، كما كانوا يضحُّون بالطيور، حيث يذبحونها ويُبقون رؤوسها على مدخل المعابد، كما كانوا أيضاً يقدِّسون التراب كثيراً، ويؤمنون بأنه شيء قدسي؛ ولذلك كانوا يقدِّمونه قرباناً للشمس مع الذهب والزمرد. المعابد كانت تُبنى من الخشب على شكل حصن أو قصر، وتُحاط بأسوار عديدة من الداخل والخارج، وهي من الفن بحيث تبدو شبيهة لدرجة كبيرة برسم المتاهة، وقد كانت هناك غرف بأكملها داخل المعبد تُبنى من الذهب الخالص وأخرى من المرمر. أمَّا البيوت، فقد كانت مصممة خصيصاً لمنع اقتحام البعوض، ولا تغلق أبوابها أبداً. وفي الداخل، كانت الأقسام الداخلية محميَّة بستائر مصنوعة من القش. كان الهنود حريصين على تلوين بيوتهم وتلميعها؛ إذ كانوا يقومون بتزيين بيوتهم بحصائر الخونكو «القصب» والسعف المصبوغة والملونة وبأغطية الزينة المصنوعة من القطن وبالذهب واللؤلؤ.

 

عربي بوست

 

التصنيفات : الثقافية

وسوم المقالة : ,,