من دفتر الوطن.. عبد الفتاح العوض يكتب.. طوق الحمامة المعاصر

وأنا أتدحرج في الخمسينيات بكل رصانة القلب، وبما أن حديث البلد سيتحول لأيام معدودة عن الحب، أجد أنه من المناسب أن أشارك القارئ بما يستجد عند الرجل في منتصف العمر من مفهوم آخر للحب..

أكثر من يسعده الاعتراف بأني أتدحرج في الخمسينيات هي زوجتي على اعتبار أن مناكفة دائمة في البيت تبدأ عندما أقول لها إنني من مواليد 1965 لكن عمري 38 سنة، ومؤخراً وصلت إلى الأربعين بصعوبة وبعد مساومات كثيرة.

معتمداً على قول أحمد الصافي النجفي:

عمري إلى السبعين يركض مسرعاً

والروح باقية على العشرين

مع تقدم العمر تصبح الأشياء أكثر وضوحاً، ولا يصبح ثمة صراعات كبيرة في داخلك، فكثير من الأشياء أصبحت محسومة بفعل الزمن والخبرة وتجارب الحياة.

من أروع ما يفعله الحب ما قاله ابن عربي في تلك القصيدة المذهلة التي وصل فيها إلى القول:

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني

في هذه الحالة من الحب يصبح القلب كما قال ابن عربي:

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآن

شيء من هذا القبيل يحدث لنظرتنا إلى الحب.. فليس هو ذاك الطيش الصبياني أو ذاك الجنون الجميل.

يصبح الحب شيئاً من هذا:

– الحب أن تكتمل بالآخر.

– أن تقدم بلا انتظار لعطاء.. لا صدقة ولا إحسان بل حب.

– أن تقبله بكل أخطائه وخطاياه.

– أن تدفعه إلى الأمام لا إلى الهاوية.

– أن تكون عوناً له على الدنيا وليس عبئاً عليه.

– الحب أن تتضرع من قلبك ألا يؤذيه حزن ولا ألم.

– الحب أنه إذا تعثر بحفرة أن تساعده على الخروج منها لا على أن تطمره فيها.

بالتأكيد لكل منا تعاريف خاصة للحب ولاشك أن هذه التعاريف تنطلق من بيئة وخبرة حياتية وثقافة خاصة، لكن الشيء المؤكد أن ثمة تغييرات كبيرة طرأت على هذا المفهوم سواء في المجتمع الواحد أم مع اختلاف المجتمعات رغم ما يبدو ظاهرياً أنه «لغة عالمية» أو إنسانية.

سأورد لكم أمثلة عن تغير النظرة إلى الحب.. فمثلاً في الكتاب العربي الأشهر عن الحب وهو طوق الحمامة لابن حزم علامات للحب مثلاً: «ومنها بهت يقع وروعة تبدو على المحب عند رؤية من يحب فجأة وطلوعه بغتة ومنها اضطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه محبوبه»!

وأيضاً يقول ومن علاماته «أنك ترى المحب يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته حتى يكونوا أحظى لديه من أهله».

فقط أوردت مثالين بسيطين لسهولة المقارنة وفيما إذا كانت علامات الحب المعاصر تتشابه أو تتقاطع مع حب طوق الحمامة.

فالآن يلزمنا طوق حمامة جديد ومعاصر لديه علامات أخرى للحب ونظرة جديدة له.

الحب المعاصر أصبح الآن «حب اقتصادي»، أو لو أردنا تخفيف التعبير لقلنا «الحب الواقعي»، على حين تعلم الكثيرون كيف يعشقون من أغاني أم كلثوم وعبد الحليم، وتلك الفترة التي ظهرت فيها هذه القصائد الملأى بالحب الحزين والحالم إنما كانت نتاج ظروف عامة لأوطان عاشت تكسر الأحلام وكثرة الهزائم.

على أي حال هذه دعوى ليكتب أحد ما «طوق حمامة معاصر» ودمتم بحب.

 

الحب الصوفي

والله ما طلعت شمس ولا غربت

إلا وحبك مقرون بأنفاسي

ولا خلوت إلى قوم أحدثهم

إلا وأنت حديثي بين جلاسي

 

الوطن

التصنيفات : رأي عام

وسوم المقالة : ,

error: لايمكنك نسخ محتويات هذه الصفحة... حقوق الملكية لموقع صاحبة الجلالة