تحرير الأسيرين السوريين والخدعة الإسرائيلية!

وصل الأسيران السوريّان زيدان الطويل وخميس الأحمد اللذان كانا مُعتَقلين في سُجون الاحتلال إلى الأراضي السوريّة عبر معبر القنيطرة يوم أمس الأحد بعد إطلاق سراحِهما في ظُروفٍ غامضةٍ.
هُناك روايتان: الأُولى تقول إنّ هذا الإفراج جاء نتيجة التوصّل إلى “صفقةٍ ما” بين الروس والإسرائيليين على أرضيّة إعادة رُفات الجنديّ الإسرائيليّ زخاري بوميل، الذي قُتل في معركة سلطان يعقوب في جنوب لبنان عام 1982.

أمّا الثانية، فتُؤكّد أنّه لم تكُن هُناك أيّ صفقة، وأنّ سُلطات الاحتلال الإسرائيليّ أقدمت على هذه الخطوة لإظهار حسن نواياها تُجاه الروس والسوريين معًا، وكمُبادرة من جانبٍ واحد، ونجزِم بأنّ النّتائج ستكون عكسيّة.

نُرجّح الرواية الثانية، لعدّة أسباب:
الأوّل: أنّ الشّخصين المُفرج عنهُما ليسا على درجةٍ كبيرةٍ من الأهميّة، فالأوّل مُهرّب مخدرات تنتهي محكوميّته في تموز (يوليو) المُقبل!

أمّا الثاني، فهو فلسطيني, وليس من النّشطاء البارزين في حركة “فتح” ومن المُفترض أن يتم الإفراج عنه بعد عامين أيضاً (2023)، إن لم يكُن قبل ذلك.
الثاني: الصّفقات تتم في العادة بعد مُفاوضات شرسة ولعدّة أشهر، ويتدخّل وسطاء دوليين، على غِرار ما حدث في الصّفقات التبادليّة السّابقة، ولا يُوجد أيّ مُؤشّر يُوحي بهذا الاحتمال، فتسليم رُفات الجندي تمّ قبل أُسبوعين فقط ومن الجانب الروسيّ دون علم الجانب السوريّ.
الثالث: جميع الصّفقات التبادليّة السّابقة للأسرى، مثل تلك التي تمّت عبر وسطاء بين الجبهة الشعبيّة القيادة العامّة برئاسة أحمد جبريل ودول الاحتلال، وبإشراف الصليب الأحمر الدولي، ومُستشار النمسا الأسبق برونو كرايسكي عام 1985، أدّت إلى الإفراج عن مئات المُعتقلين العرب في سُجون الاحتلال (جرى الإفراج عن 1150 مُعتقلًا في ما سُمّي في حينها صفقة أحمد جبريل مُقابل الإفراج عن ثلاثة جنود إسرائيليين)، واستغرقت المُفاوضات 18 شهرًا، والشيء نفسه يُقال عن صفقة 1998 بين “حزب الله” ودولة الاحتلال، وأسفرت عن الإفراج عن 500 أسير لبناني وعربي ورُفات 59 مُقاومًا لُبنانيًّا، وكان من ضمن المُفرج عنهم الشّيخان مصطفى الديراني وعبد الكريم عبيد، والشّيء نفسه يُقال عن صفقة عام 2008 التي كان أبرز المُفرج عنهم فيها الشهيد سمير القنطار.
الرابع: الحُكومة السوريّة نفت أيّ علم لها بعمليّة نبش قبر الجندي بوميل من قبل وحدات تابعة للجيش الروسي في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك، وفوجئت بتسليم رُفاته في حفل أقيم في موسكو، ولكنّها التزمت الصّمت تجنّبًا لأيّ حساسيّات مع الحليف الروسي، خاصّةً أنّ الرئيس فلاديمير بوتين هو الذي سلّم هذه الرّفات إلى نِتنياهو شخصيًّا.
الخامس: لم نُلاحظ أيّ اهتمام رسميّ أو شعبيّ سوريّ كبير بالإفراج عن الأسيرين، أو تنظيم أيّ استقبال رسمي لهما.
من المُعتقد أن القيادة الروسيّة التي تعرّضت لنقد في بعض وسائل الإعلام العربيّة بسبب تقديمها رفات الجندي الإسرائيلي إلى نِتنياهو دون مُقابل، مارست ضُغوطًا على “صديقها” الإسرائيلي (نِتنياهو) لإثبات حُسن نواياه والافراج عن بعض الأسرى، فأوعز بالإفراج عن المُواطِنين السوريّين.
الإفراج عن مُواطنين سوريّين أحدهما مهرّب مخدرات تنتهي محكوميُته بعد شهرين، يكشف عن سوء النوايا الإسرائيليّة، ليست تُجاه سورية، وإنّما تُجاه “الحليف” الروسي أيضًا، وإنّما العكس تمامًا، فلو كانت حكومة نِتنياهو تُقدّر هذه الخطوة الروسيُة، لأفرجت عن المئات من الأسرى، وأعادت رفات العشرات، أو حتى المئات من جثامين الشهداء السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والعرب الآخرين، ولكنّها العقليّة الإسرائيليُة “البخيلة” التي تأخُذ ولا تُعطِي مُطلقًا إلا تحت الضّغط والتّهديد.
أمل أن يكون “سوء النيّة” الإسرائيلي هذا الذي شكّل ويُشكّل إهانةً لروسيا وقيادتها، وإحراجًا كبيرًا لها في بعض أوساط حُلفائها العرب، درسًا يتم الاستفادة منه في أيّ خطوة قادمة في المُستقبل، من حيث عدم تقديم هدايا مجانيّة لنِتنياهو وغيره على حِساب الأسرى العرب ومِحنتهم في سُجون الاحتلال.
نبش القبور بحثًا عن رُفات جنود إسرائيليين لا يجب أن يكون من مهام القوات الروسيّة في سورية التي حقّقت إنجازًا عظيمًا في الحِفاظ على وحدة التّراب السوري، وإفشال المُؤامرة الأمريكيّة، أو هكذا نعتقد في هذه الصّحيفة، فهذا الجيش الروسي الذي يُعتبر ثاني أكبر الجُيوش وأقواها في العالم لا يجِب أن يتجاوب مع أيّ مُحاولة لتقليص قدرِه وهيبته من قبل نِتنياهو أو غيره.

رأي اليوم_عبد الباري عطوان

التصنيفات : سياسة