ما الذي فعله أسانج ليثير غضب أميركا؟

نشر جوليان أسانج عشرات الآلاف من الوثائق التي تتعلق بالحربين في أفغانستان والعراق على نحو تسبب في حرجٍ كبيرٍ للحكومة الأميركية، وما سينتج عن قضية توقيف أسانج سوف يساهم في قوة أو إضعاف العمل الصحافي، فميزة الصحافة هي المعلومة الجديدة بل كل قوة الصحافة تكمن في العمل الإستقصائي وكشف المستور من المعلومات.
 
قد يكون ما فعله جوليان أسانج بنشره على موقعه “ويكيليكس” اَلاف الوثائق التي حصل عليها في عملية اختراق لأرشيف وزارتي الخارجية والداخلية الأميركية، فضلاً عن أرشيف جهاز المخابرات السعودية، بمثابة ضربة قاصمة للأمن القومي الأميركي، لا تقل قيمة عما حدث في 11 أيول / سبتمبر 2001.
 
لقد كشفت وثائق “ويكيليكس” القناع الزائف عن وجه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، فإجراء مطالعة لسياسة اميركا سيختلف عما كنا نعرفه قبل نشر أسانج هذه الوثائق .
 
إن نشر وثائق “ويكيليكس” سوف يختصر الكثير من الوقت لمعرفة الكيفية التي تدير فيها الإدارة الأميركية سياستها في العالم العربي.
 
إن مطالعة هذه الوثائق التي تعتبر بمثابة أكبر موسوعة عن السياسة الأميركية هي أهم من كل الدراسات والكراسات والأبحاث والكتب الكلاسيكية التي عرفتنا الكيفية التي تدير بها الولايات المتحدة العالم، أين منها كتاب لعبة الأمم ومؤلفات هنري كيسينجر والسيناتور فوالبرايت وجورج كينان صاحب نظرية الإحتواء، وكلود جوليان صاحب كتاب الإمبراطورية الأميركية، والصاحفي الأميركي بوب وودورد. الفرق بين هذه الكتب وبين هذه الوثائق كبير. فالرأي والتصور والتخمين والقول والتحليل شيء، والوثيقة الحقيقية شيء اَخر. فالأخيرة تشكّل فصل الخطاب في تشريح السياسة الأميركية.
 
لقد نشر أسانج على موقعة الإلكتروني عشرات الآلاف من الوثائق التي تتعلق بالحرب في أفغانستان. ثم توالى نشره لاَلاف الرسائل الحساسة التي كتبها دبلوماسيون وعسكريون أميركيون عن الحرب في العراق، على نحو تسبب في حرجٍ كبيرٍ للحكومة الأميركية.
 
وتتهم الولايات المتحدة أسانج بأنه أقنع محللة الإستخبارات في القوات البرية الأميركية تشيلسي مانينغ بحيازة غير قانونية لأكثر من 720 ألف وثيقة دبلوماسية وعسكرية سرية ومن ثم وتوزيعها ونشرها.
 
ومن بين الملفات التي سُربت لموقع ويكيليكس، مقطع فيديو لمروحية أميركية من طراز “أباتشي” تقتل 12 مدنياً عراقياً في بغداد عام 2007.
 
وأُرسلت مانينغ إلى العراق في تشرين الأول/ أكتوبر،. وكتبت مانينغ على حسابها عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك في بداية شهر مايو/آيار عام 2010 أنها “محبطة للغاية من الناس والمجتمع ككل”.
 
عام 2010 ألقى محققون عسكريون القبض عليه قبل تحوّله جنسياً إلى إمرأة بتهمة الاشتباه في سرقة معلوماتٍ سرية.
 
وقال أحد المقرصنين الإلكترونيين، يُدعى أدريان لامو، لوسائل الإعلام العالمية كيف قدمت مانينغ البيانات المسروقة خلال محادثات أجروها عبر الإنترنت؟
 
وكتبت مانينغ، وفقا لمخطوط رسائلها التي نشرها موقع “ويرد” الإلكتروني: “مع ضعف خوادم حفظ البيانات، وضعف عملية تسجيل الدخول إلى البيانات، وضعف التأمين، وضعف الاستخبارات المضادة، وضعف تحليل الإشارة… كان الاقتحام مثالياً”.
 
ووجّه الجيش الأميركي 22 تهمة لمانينغ، تتعلق بحيازة غير قانونية لأكثر من 720 ألف وثيقة دبلوماسية وعسكرية سرية وتوزيعها.
 
وكانت مانينغ قد اعترفت أمام المحكمة إنها سرّبت الوثائق لتشعل جدلاً عاماً في الولايات المتحدة، يتعلق بدور الجيش الأميركي والسياسة الخارجية الأميركية.
 
وأثناء جلسة استماع محاكمته عسكرياً – قبل أن يتحوّل مانينغ جنسياً إلى إمرأة – في أغسطس/آب 2013، أقر طبيب نفسي عسكري بأن مانينغ يعاني صراعاً داخلياً بسبب النوع، وأنه يرغب في التحول من رجل إلى امرأة.
 
وأثناء جلسة استماعٍ تالية، اعتذرت مانينغ عن “إلحاق الضرر بالولايات المتحدة”وقالت إنها اعتقدت خطأ أنها تستطيع أن “تغيّر العالم إلى الأفضل”.
 
بالتأكيد سيكون أمام جوليان أسانج معركة قضائية طويلة لتجنّب تسليمه الى الولايات المتحدة التي تريد محاكمته باعتبار أنه يشكل تهديداً لأمنها.
 
وقال خبراء قانونيون أمس الجمعة إن القضية قد تبقى عالقة لسنوات في المحاكم البريطانية، إذا استؤنفت، وقد تصل إلى محكمة العدل الأوروبية.
 
يقول الصحافي في “ويكيليكس” كريستين هرافنسون: ثمّة عوامل أخرى تلعب دوراً سلبياً ضد أسانج وهي تضم “الأهمية الكبرى التي يعطيها القضاء البريطاني للثقة والتعاون بين البلدين وأيضاً الجهود التي ستبذلها الولايات المتحدة في القضية”.
 
وأكد أنطوني هانراتي من شركة “بي دي بي بيتمانز” للمحاماة لصحيفة “ذي تايمز” البريطانية أنه “سيكون من الصعب جداً مقاومة التسليم، نظراً لطبيعة الاتفاق حول هذا الموضوع بين الولايات المتحدة وبريطانيا”.
 
يقول ميشيل عبد المسيح الحائز على لقب أفضل محامٍ فى قانون الإجرام، أو “المحامى الجنائي الاستثنائي العام” فى المملكة المتحدة في إتصال خاص مع الميادين نت إن بريطانيا لا تقدر على تسليم أسانج إلا بعد قرار القضاء البريطاني بذلك. ويضيف: “حتى لو طلب القضاء الأميركي تسليم أسانج فهذا يحتاج لإقرار القضاء البريطاني بذلك”.
 
وعن تدخّل ملكة بريطانيا بحجة أن الأمن القومي البريطاني والعلاقة مع الولايات المتحدة قد يفرض نفسه على قوة القضاء ويتم تسليم أسانج للولايات المتحدة رضوخاً للضغط الأميركي، قال عبد المسيح: مستحيل بل من رابع المستحيلات أن تسمح الملكة لنفسها أن تتدخل في القضاء البريطاني.. مستحيل أن تتدخل لا بالحلم ولا بالفكر.
 
وأوقف الصحافي الأسترالي البالغ من العمر 47 عاماً بموجب طلب تسليم أميركي لاتهامه بـ”القرصنة المعلوماتية”، وسيمثل أمام المحكمة في هذه القضية في 2 أيار/ مايو القادم. كما أنه أوقف أيضاً بموجب مذكرة توقيف بريطانية تعود لحزيران/ يونيو 2012، تطلب توقيفه لعدم مثوله أمام محكمة، وهي تهمة يعاقب عليها بالسجن لمدة عام.
 
وأفادت صحيفة “ذي سان” البريطانية أن أسانج مسجون حالياً في سجن واندسوورث في جنوب لندن حيث قضى تسعة أيام في عام 2010 في أعقاب تحقيق معه باتهامات الاغتصاب الموجهة إليه في السويد.
 
وقالت محاميته في لندن جنيفر روبنسون إن موكلها “سيطعن ويقاوم” طلب الولايات المتحدة تسليمه، معتبرةً أن توقيفه “يشكل سابقة خطرة للمنظمات الإعلامية والصحافيين” في العالم.
 
وفي مدريد، اعتبر المحامي الإسباني لأسانج بالتاسار غارثون من جهته أن موكله ضحية “اضطهاد سياسي” من الولايات المتحدة.
 
واعتبر الوزير البريطاني لشؤون أوروبا والأميركيتين آلان دانكن أن الانتقادات ضدّ اعتقال أسانج “لا أساس لها”، مؤكداً أن “حقوقه لم تنتهك” وأن كل شيء تمّ “بما يتوافق مع القانون الدولي”.
 
لكن مقررة الأمم المتحدة بشأن الاعتقالات التعسفية أغنيس كالامار قالت لوكالة فرانس برس إن الإكوادور بطردها أسانج من سفارتها، فقد عرّضته لخطر حقيقي بخرق حقوقه الأساسية
 
وتشدد الحكومة البريطانية على موقفها بأن أسانج خاضع للقانون مثله مثل أي شخص آخر. وقالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمام البرلمان إن “لا أحد فوق القانون”، فيما رأى وزير خارجيتها جيريمي هانت أن أسانج “ليس بطلاً”.
 
لكن زعيم معارضة حزب العمال جيريمي كوربن دعا الحكومة البريطانية إلى منع تسليمه إلى الولايات المتحدة. وكتب على تويتر “يجب معارضة تسليم جوليان أسانج إلى الولايات المتحدة لكشفه عن أدلة حول انتهاكات في العراق وأفغانستان”.
 
ما سينتج عن قضية توقيف أسانج سوف يساهم في قوة أو إضعاف العمل الصحافي، فميزة الصحافة هي المعلومة الجديدة بل كل قوة الصحافة تكمن في العمل الإستقصائي والتحقيق وكشف المستور من المعلومات التي تحدث دوياً هائلاً لدى القراء.
 
حتى الآن لم يتم إلا استعمال الأسلحة الفاسدة والمقصودد بها الاستنكار والتنديد والتصريحات والتمني والتداعي في قضية أسانج، من كل الهيئات الدولية والإجتماعية.
 
المطلوب وقفة رجل واحد من اتحادات الصحافة العالمية والعربية والمحلية في قضية أسانج. وإلا فإن اعتقاله وسجنه، سيجعل الكثير من اقطاب صحافة الإستقصاء يرتعبون من فتح أي ملف يزعج أو يسبب أي حرج للولايات المتحدة.
 
فحسبما تفيد المعلومات أن أسانج متهم في الولايات المتحدة بالتآمر بهدف ارتكاب “قرصنة معلوماتية”، وهي جريمة تصل عقوبتها الى خمس سنوات، بحسب ما كشفت الخميس وزارة العدل الأميركية.
 
وقد أعرب الصحافي في “ويكيليكس” كريستين هرافنسون عن خشيته من أن توجه الولايات المتحدة لأسانج تهماً إضافية، ما يعني أنه قد يواجه عقوداً من السجن في الولايات المتحدة.
الميادين
 

التصنيفات : سياسة