نبيل صالح يكتب عن العلمانية اول بذور العلمانية في الاسلام

كتب النائب و الاعلامي المعروف نبيل صالح وجهة نظر عميقة حول مفهوم العلمانية

الصراع على العلمانية

1
الصراع على العلمانية هو العنوان العريض للحرب السورية، فمنذ أن توضحت مظاهر أسلمة الثورة بات الصراع واضحا بين من يريدون دولة إسلامية ومن يريدونها مظلة علمانية لكل الطوائف والقوميات المتراكمة على أرض سورية عبر التاريخ.. فسورية ليست مجرد حدود خريطة مرسومة وإنما هي شيفرة وراثية تشكلت من نسل كل الأمم العريقة التي حطت رحالها فيها غصباً أو حباً، فلطالما كانت سوريا هي فينيقيا الممتدة من أوغاريت شمال الساحل وحتى جبيل جنوبا، ثم تمددت وتوسعت لتتصل بالهند أيام الإسكندر المقدوني، وإرمينيا أيام تيغران الكبير، وشملت آسيا وشمال أفريقيا أيام الأمويين والعباسيين، وجددت نسختها في الأندلس، ثم تقلصت إلى شام شريف أيام العثمانيين، وازدادت تقلصا بعد سايكس بيكو، ومن ثم تقلصت أكثر بعد الثورة السلفية على “الدولة العلمانية الكافرة” بحسب تعبير رعايا الدولة الإسلامية

2

تطور مفهوم العلمانية عبر القرون وارتبطت تعريفاتها بتجارب الشعوب التي اختارت العلمانية نهجا لها، كما اختلفت تعريفاتها بين العلمانيين أنفسهم حتى بات لدينا تعريفات تماثل عدد العلمانيين، وبعضهم مازال يختزل العلمانية ضمن بعد سياسي ديني قاصر فحواه فصل الدين عن الدولة، غير أن العلمانية اليوم تطورت مع تطور مفهوم المواطنة وتجاوزت فصل الديني عن السياسي، وبات مفكروا الحداثة يرون فيها “نمطا من التفكير يتعلق برؤية عامة للكون والحياة كبديل للرؤية اللاهوتية التي ترى أن العالم محكوم بقوة غيبية تقدر مصائره، بينما ترى العلمانية أن القوانين الموضوعية لحركة التاريخ تنبثق من العالم نفسه، وأن الإنسان هو العنصر الفاعل في الوجود والتاريخ”.. ” فالعلمانية ليست ديناً أو فلسفة للتأمل، إنها علاقة ونهج بين الناس لتدبير الشأن العام “..كما أنها ليست وصفة جاهزة للإستعارة والتطبيق وإنما هي حصيلة تاريخ خاص بكل مجتمع، لهذا لم نقدم على وضع تعريف جامع للعلمانية قبل الإحاطة بتفاصيل تاريخها السوري ..

3

أول بذور العلمانية في الإسلام وردت في الفرآن الكريم : ( لكم دِينكم ولي دينِ ) و (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) وفي الحديث الشريف (أنتم أعلَمُ بأمور دُنياكم ). كما وجدت العلمانية في فكر المعتزلة والعلماء التجريبيين كابن سينا وابن رشد وابن الهيثم والبيروني الذين كانوا يرون أن للطبيعة قوانينها الموضوعية المعزولة عن الميتافيزيقيا، وساهمت رؤيتهم في تقدم العلوم وازدهارها، وبناء على ذلك قال المعتزلة بمبدأ “الإختيار” حيث الفعل البشري هو العامل المؤثر في حركة التاريخ، بينما كان الجبريون يقولون أن الله هو المسؤول عن كل مايجري من أفعال خيرة وشريرة على الأرض، وأن الإنسان مسيّر غير مخيّر.. غير أن الإسلام لم يقرر نمطاً معيناً من الحكم وترك أمر المسلمين شورى بينهم .. من هنا يمكننا القول أن العلمانية متضمنة في الإسلام من خلال مبدأ الشورى والعدالة الإجتماعية وتحرير الإنسان من العبودية والدعوة لإعمال العقل والنظر في الطبيعة والمخلوقات، غير أن هذه المبادىء لم تتطور بما يواكب مستحقات الحداثة الآن بسبب الطبقة الكتيمة التي شكلتها العقول السلفية عبر الزمان، وبالتالي فإن مبادىء العلمانية اليوم تعيد ملء الفراغ التاريخي الذي سببه الجمود الفكري الإسلامي خلال عصور الإنحطاط التي مر فيها، بالإضافة إلى محنة النقل ضد العقل التي تبناها ولاة الأمة وحكامها ضد المجددين، لهذا نقول لايمكن تحقيق إصلاح ديني خارج العلمانية..

4

وفدت أفكار العلمانية والليبرالية إلى بلاد الشام منذ منتصف القرن السابع عشر عبر احتكاك تجار لبنان مع الطليان وعبر البعثات التبشيرية، غير أن الفكر الإقطاعي وقف ضدها. وفي مصر بدأت الأفكار العلمانية بالإنتشار مع أول بعثات محمد علي باشا العلمية إلى إيطاليا عام 1813 غير أن نظام المؤسسات العلمانية وقوانينها دخل عمليا إلى بلاد الشام مع الإنتداب الفرنسي والبريطاني وكان البرلمان والدستور بعض ثمارها.. وكان اختيارنا لإطلاق “التحالف السوري العلماني” تحت غطاء برلماني كتأكيد على تطور مفهوم العلمانية الشامية عبر قرنين تناوبت فيهما على حكم مجتمعاتنا وإنشاء مؤسساتنا القوى الإستعمارية ومن ثم الوطنية، غير أن تشنج بقايا القوى السلفية الموزعة في مفاصل الدولة ومؤسساتها عارضت نشاطنا العلماني ولم تسمح لنا بالتحقق على أرض الواقع منذ آذار الماضي حتى الآن !؟

5

لم تسطع العلمانية ترسيخ جذورها جيدا في بلادنا بعد، بسبب استمرار معاداة الإكليروس السلفي لها واعتبارها سلعة مستوردة من بلاد الكفار والإستعمار، وبسبب ممالأة الطقم السياسي لهم، وضعف ثقافة الأحزاب العلمانية في البلاد، إذ أقصت هذه الأحزاب مفكريها الذين لم يخضعوا لسياسييها، كما أنها استغنت عن برامجها الإجتماعية والثقافية بنشاطات تعبوية تسطيحية غير منتجة، بعدما باتت أحزابا أصولية لاتتغير أو تتطور منذ سبعة عقود ، إضافة إلى أن حركة الحداثة قد اقتصرت على الإستيراد دون الإنتاج، بعدما تم تهجير أو سجن أو محاصرة كل مجتهد يُعمل العقل في السياسة أوالدين بتهمة الخروج عن سكة النقل ووهن عزيمة الأمة السلفية، ولدينا ولديكم مئات الأمثلة .. غير أن تجربة حرب السنوات التسع التي مررنا بها شكلت وعيا وطنيا جديدا أقرب إلى العلمانية والعقل منه إلى التقليد والنقل، إذ تكشفت ثورات الربيع العربي عن أنها ثورات دينية سلفية غير إصلاحية ترغب بإعادة إنتاج دولة الخلافة الإسلامية، وقد وقفت التيارات العلمانية في الجيش والمؤسسات التعليمية بمواجهتها وأحبطت عدوانها في مصر وسورية اللتان شكلتا مهد العلمانية العربية..

إذاً يمكننا القول أن الحركة العلمانية السورية قد انطلقت فعليا على أرض الواقع منذ 2011 خلال مواجهة العدوان على إرثها الحضاري الذي بدأ بالتشكل منذ بداية عصر النهضة ولمّا تصل إلى استحقاقاتها بعد لأن المؤسسات السياسية لم تلتقط إشارات الطبقة العلمانية المستنيرة في المجتمع، ومازالت خائفة من التيارات الأصولية فتنافق لها وتظهر تحالفا هشا معها كي تؤمّن هدوء جمهورها السلفي بعدما انكسرت شوكة مجموعاتها الإرهابية، مع أن التجربة العراقية مازالت ماثلة أمامها منذ أضاف صدام حسين جملة (الله أكبر) إلى العلم وبدأ بالأسلمة السياسية، وتابع من بعده نائبه عزت الدوري أسلمة كتائب البعث حتى تماهت مع المجموعات السلفية وتحققت تسميتي لهم “حزب البعث العربي الإسلامي” المنشورة في جريدتي تشرين والسفير عام 2003، وأيضا لدينا تجربة أنور السادات الذي تكنى بلقب “الرئيس المؤمن” وتصالح مع الإسلاميين وبات يقضي وقته في قراءة القرآن الكريم قبل أن يفترسوه في ذكرى يوم النصر الذي شاركناه فيه ضد إسرائيل.. من هنا نأمل من بقايا العلمانيين الجادين في الحزب والدولة التعامل مع الواقع بذكاء وحنكة لاستيعاب التيارات العلمانية الناهضة في البلاد بدلا من خسرانها، بعدما أثبتت أنها الضامن لوحدة سورية وحريتها وحداثتها والحارس الفعلي لمنع تغول المجموعات السلفية على الدولة والمجتمع .. فالعلمانية هي الطريق إلى السلام وبالتالي العلمانية هي الحل..

نبيل صالح

التصنيفات : الأولى,محليات

وسوم المقالة : ,,,,,